ابن عجيبة
514
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم خوفهم بالعذاب الذي استعجلوه ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 8 ] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) قلت : ( يوم ) : معمول لخبر ليس ، وهو دليل جواز تقديمه إن كان ظرفا . يقول الحق جل جلاله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الموعود في الدنيا ، أو في الآخرة ، إِلى أُمَّةٍ أي : أوقات معدودة قلائل ، لَيَقُولُنَّ ؛ استهزاء : ما يَحْبِسُهُ ؟ أي : ما يمنعه من الوقوع الآن ؟ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ وينزل بهم كيوم بدر ، أو يوم القيامة لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ليس مدفوعا عنهم حين ينزل بهم ، وَحاقَ ؛ نزل وأحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، وضع الماضي موضع الاستقبال ؛ تحقيقا للوقوع ، ومبالغة في التهديد . الإشارة : إمهال العاصي ليس بإهمال له ؛ فإن اللّه تعالى يمهل ولا يهمل . فإمهاله إما استدراج ، أو انتظار لتوبته ، فليبادر العبد بالتوبة قبل الفوات ، وبالعمل الصالح قبل الممات . فما أبعد ما فات ، وما أقرب ما هو آت ، وبالله التوفيق . ومما وقع به الاختبار : الوقوف مع النعم دون شهود المنعم ، كما أبان ذلك بقوله : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 9 إلى 11 ] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) قلت : ( ولئن ) : شرط وقسم ، ذكر جواب القسم ، واستغنى به عن جواب الشرط . يقول الحق جل جلاله : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً أي : أعطيناه نعمة يجد لذتها . ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي : سلبنا تلك النعمة منه إِنَّهُ لَيَؤُسٌ ؛ قنوط ، حيث قلّ رجاؤه من فضل اللّه ؛ لقلة صبره ، وعدم ثقته بربه ، كَفُورٌ : مبالغ في كفران ما سلف له من النعم ، كأنه لم ير نعمة قط . وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ؛ كصحة بعد سقم ، وغنى بعد فقر ، أو علم بعد جهل ، لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ . أي : المصائب التي مستثنى ، عَنِّي ، ونسي مقام الشكر . إِنَّهُ لَفَرِحٌ أي : بطر متعزز بها ، فَخُورٌ على الناس ، متكبر بها ، مشغول بذلك عن شكرها ، والقيام بحقها . قال البيضاوي : وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم